السبت 27 نوفمبر 2021

د.إبراهيم بن محمد المسلم

د.إبراهيم بن محمد المسلم

 

الوطن شعورٌ ومشاعر

(في الشعر السعودي)

الوطن تلك اللفظة العذبة والصوت الندي والحب العميق المنتشي، ذلك المكان الذي ارتبط به الإنسان ارتباطًا وثيقًا منذ الأزل، فهو يشتاق له؛ لأنه أرضه ومسقط رأسه ونشأته، وقد جسَّد الشعراء هذا الحب على مَرِّ العصور رغم شظف العيش في أرضهم، وانعدام المغريات التي تشبِّثهم بها، فهذا امرؤ القيس أول من وقف واستوقف يذكر منازله ووطنه يقول:

قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

 

بسقطِ اللوى بين الدَّخول فَحَوْملِ

ويذكر ابن الرُّومي وطنه الذي فيه ملاعب صباه، ومراتع شبابه، فأصبح ذكرى لا تنفك عنه، يقول:

بلدٌ صحِبتُ به الشبيبة والصِّبا

 

ولبستُ فيه العيشَ وهو جديدُ

فإذا تمثّل في الضَّميرِرأيتُه

 

وعليهِ أَفْنَانُ الشَّبَابِتَمِيدُ

إنه صورة الوطن في نفوس أبنائه الشعراء، يَبُوحُونَبمشاعرهم تجاهه من فخر ومدح، وحَثٍّ على رفعته، وتجاوُز مشكلاته وعقباته.

 

وقد جاء الانتماء قرينًا للشعر الوطني، فهو المستنهِض للشعراء، والباعث للتغني بالوطن والفخر به، فالانتماء ظاهرة عند الشعراء السعوديين حاضرًا في شعرهم مُعَبِّرًا عن عواطفهم ومشاعرهم.

وعندما نأخذ نظرة على الوطن في الشعر السعودي نجد تعدد الرؤى في قصيدة الوطن من دينية واجتماعية وثقافية ووجدانية وسياسية وهذا نابع من حب  الشعراء لوطنهم لذا تجدهم يفاخرون به ويشاركونه في كل محفل ويقفون معه في كل معترك يؤمنون برسالتهم تجاهه ويدركون واجبهم نحوه يهيمون بحبه ويصفون جماله يقول الشاعر محمد الدبل:

من مبدع الحسن في الواحات والجزر 

 

أصالة البدو في رقة الحضر

هام الجمال بقصر سامقٍ فرهٍ

 

يختال في ساحة بيت من الشعر

حسبي من الوجد ما ألقاه يا وطني
        

 

في ظل مغناك ما أفنيت من عمري

لا تعذلوني ففي الصحراء ملحمتي
      

 

ما حيلتي وهوى الأوطان من قدري

حبي تحدر في الأعماق من بلدي
  

 

أحلى من النغم المسكون في وتر

 

والوطن دار الآباء والأجداد يرسم الإنسان آماله عليه تقول أمل الشقير :

مذ أن كتبت على سطور صحيفتي

يا موطني وغفوت فوق ثراها

أرضى وأرض أبي وأرض أحبتي

لا زلت أذكر حين كنت طفولتي

أمشي وأسقط في عظيم رباها

فيضمني وطني بدفء حنانه

أغفو على كفيه ما أدفاها

وبدأت أنسج كل آمالي هنا

في موطني وأعيش في ذكراها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهو أيضا العمر والزمن، يقول المقرن:

أوكنت يوما أيها الوطـــــــن؟!        حاشاك أنت العمر والزمن 

         ما الحب في الأعلام يا وطني        الحب أن تطفا بك الفتن

وهو العين والعشق والتاريخ يقول الخنين:

هو العينُ التي

تحنو علينا من صبابتِها

هو العشقُ الذي

تشتاقه المُقل

هو التاريخُ والأزل

وعبد العزيز العجلان يشارك الوطن أحزانه كما أن الوطن يشاركه أحزان رغم بعده عنه مما يشعره بالأمن والأمان يقول :

ولي وطنٌ آليت أحضن حزنه

 

ويحضنني حتى تذوب القصائد

أنا من خلف البعد لحن مغامر

 

 يراوده شاد ويرويه عابد

تطوف بي الآفاق أناى مكابرا

 

وتطويه في قلبي ليال رواكد

وتستيقظ الرؤيا فأرتد فجأة

 

أكابد من أشواقه ما أكابد

جيبه تلقاني بقايا حكاية

 

أحييه ينداح الندى والمسارب

أحييه تهتز الحروف على فمي
   

 

ويرحل في صوتي الصدى والثوائب

 

ويبدي الشاعر عثمان بن سيار شجنه لهذا الوطن المعطاء، فيقول:

شجتني ربال الخضر حتى وجدتني

 

أخا صبوة تهفو إليك نوازعه

وماضيك في الماضين مجد موئل

 

وحاضرك المعطاء جلت صنائعه

وعشت سياجا للعروبة حاميا

 

وغيل أسود لا تداس مرابعه

           ويبلغ حب الوطن لدي عبد الرحمن القعود مبلغا كبيرا فهو في قلبه وجسده بل يحيا فيه كجزء من جسده بل إنه يتمثله:

أيا وطني وأنت تحل قلبي

وتحيا كالخلية في كياني

وتحرث في أديمي كل حس

شهي الوخز تضلع في لساني

ويعرج بي إلى آفاق حلم

يضاجعني فيسرقني مكاني

فدنيك قل ما عندي فجاشت

إلي النفس تنشدني بياني 

    فقد جعله كالحسناء الجميلة التي يمنحها حبه وقلبه:

وياوطني أنت اليوم حبي

وأنت عشيقتي بين الحسان

ربوعك كالربيع إليه تهفو

فراشاتي وطيري والأغاني

وأحلام القحطاني تهيم بالوطن حبا فهي تعشق هواءه ورماله وبحاره ولياليه الجميلة , تقول مخاطبة له :

كتبت هوك على صدر نجمة 

وزينت شعري بدهشات حسٍّ

وروح خيال 

وومضات رسمة 

ونمت أنا وارتعاشات حرفي 

وذوب حنيني 

بأهداب غيمة

أموجك ؟! أم رملك الذهبي ؟!

أصبحك ؟! أم ليلُك الشاعري

 

فالتغني بالوطن ومدنه لا تخلو منه دواوين الشعراء السعوديين عادة فارتباطهم بهذا الوطن عميق جدا فقد شربوا حبه فهو عشقهم وملاذهم بعد الله.

 

تحويل التاريخ

التحويل من
التاريخ