في بحثٍ ما.. في وقتٍ ما
كنت أبحث عن أصل مقولة “إذا لم تكن ليبراليًا في الخامسة والعشرين فليس لك قلب، وإذا لم تصبح محافظًا في الخامسة والثلاثين فليس لك عقل”، لأكتشف بعد بحثٍ مبسط أن ونستون تشرشل قد لا يكون قالها أصلًا. والمفارقة أنني بدلًا من أن أجد جوابًا، وجدت نفسي داخل سؤال أكبر..لماذا نؤمن أصلًا بأن الإنسان يتغير فكريًا كلما تقدم في العمر؟
في هذه المرحلة من عمري، وأنا طالبة دراسات عليا، أشعر بانجذاب واضح نحو الموضوعات التي تثير الجدل، وتكشف المسكوت عنه، وتعيد فتح الملفات القديمة بعين جديدة؛ فأقرأ كثيرًا بعقلية تميل إلى الشك أكثر من التسليم، وإلى التساؤل أكثر من القبول..أحيانًا أشعر بأنني أبحث في النصوص كما لو أنني أنفض الغبار عن أشياء حاول الزمن إخفاءها.
لكنني أتساءل.. هل سأقرأ كل هذا بعد عشر سنوات بالطريقة نفسها؟ هل سأضحك على اندفاعي الحالي، وأتحول إلى باحثة أكثر هدوءًا تميل إلى الدراسات التراثية والنصوص الكلاسيكية؟ وهل يميل الإنسان إلى التروي كلما أدناه العمر من النضج، أم أنه يلوذ بالهدوء بعد أن تنهكه المعارك الفكرية الصاخبة؟
لعل هذا ما يجعل الجدل بين التراث والحداثة مثيرًا للاهتمام؛ فهو لا يدور حول النصوص وحدها، بل حول الطريقة التي ننظر بها إليها.. فالرغبتان المتعارضتان ظاهريًا؛ التجديد من جهة، وإعادة اكتشاف الموروث من جهة أخرى، لا تبدوان بعيدتين عن التحولات التي يمر بها الإنسان نفسه في مراحل عمره المختلفة.
فالنص الذي يبدو ثوريًا في العشرين قد يبدو عاطفيًا في الأربعين، والنص الذي نظنه تقليديًا اليوم قد نكتشف لاحقًا أنه أكثر عمقًا مما كنا نعتقد.
نجود عبدالله العرجاني
دراسات عليا
