يرتبط مفهوم الابتكار في أذهان كثيرين بالأدوات والتقنيات والأفكار الجديدة. هذا التصور شائع في البيئات المؤسسية والتعليمية، غير أن التجارب العالمية في مجال الابتكار تشير إلى منطلق أعمق يتمثل في طريقة التفكير ذاتها. فالعقلية تشكّل الإطار الذهني الذي يوجّه فهم المشكلات، وطبيعة الأسئلة المطروحة، وآليات التعامل مع التحديات، وتحويل الأفكار إلى قيمة قابلة للتطبيق.
ضمن هذا السياق، برزت تجربة IDEO بوصفها نموذجًا تطبيقيًا ناضجًا في تحويل الابتكار من نشاط مرحلي إلى نمط تفكير وسلوك مؤسسي يومي. ويمكن الاطلاع على مواردها التعليمية المتعلقة بعقليات الابتكار عبر منصتها الرقمية IDEO U.
اعتمدت IDEO منهج “التصميم المتمحور حول الإنسان”، وهو منهج يدمج بين التفكير التصميمي، والتقنية، واعتبارات الأعمال، ويقوم في جوهره على مجموعة من العقليات التي تسبق استخدام أي أداة أو إطار عمل.
- عقلية الإنسان أولًا (Human-Centered Mindset).
تنطلق هذه العقلية من فهم عميق للإنسان بوصفه محور العملية الابتكارية. يوجّه هذا المنظور الاهتمام نحو مشاعر المستخدم، وسياقه، واحتياجاته المعلنة والضمنية. يبدأ الابتكار هنا بتعريف الإنسان المعني، وتحليل تجربته، ورصد نقاط الألم التي يعيشها في الواقع العملي، قبل الانتقال إلى التفكير في الحلول.
- عقلية الفضول وطرح الأسئلة (Curiosity & Questioning).
تعتمد هذه العقلية على التشكيك الواعي في المسلّمات السائدة، والبحث عن الأسئلة ذات الجودة العالية. السؤال الجيد يفتح مساحات جديدة للفهم، ويكشف افتراضات كامنة لم تكن ظاهرة في البداية. وفق هذا المنظور، تتقدم عملية الابتكار عبر توسيع زاوية الرؤية، لا عبر الاكتفاء بإجابات جاهزة.
- عقلية التجربة والتعلّم السريع (Experimentation Mindset).
يرتكز هذا التوجه على تحويل الأفكار إلى نماذج أولية قابلة للاختبار في وقت مبكر. تتيح التجربة السريعة فرصة للتعلّم من الواقع، وجمع التغذية الراجعة، وتحسين الحلول تدريجيًا. يتكوّن التقدّم هنا من دورات قصيرة من الاختبار والتطوير، بما يعزز جودة القرار ويخفض المخاطر المستقبلية.
- عقلية تقبّل الفشل الذكي (Learning from Failure).
تتعامل هذه العقلية مع الإخفاق بوصفه مصدرًا للمعرفة. تتولّد القيمة من تحليل التجربة، واستخلاص الدروس، وتوظيف النتائج في تحسين المحاولات اللاحقة. يسهم هذا النهج في بناء بيئة آمنة للتجريب، ويعزز النضج الابتكاري على مستوى الأفراد والفرق.
- عقلية التعاون المتعدد التخصصات (Radical Collaboration).
ينمو الابتكار في البيئات التي تجمع تنوّع الخبرات والتخصصات. يتيح هذا التنوّع تعدد زوايا النظر إلى المشكلة الواحدة، ويثري عملية توليد الأفكار. يعتمد هذا النمط على الحوار المفتوح، وتبادل الرؤى، وبناء الحلول بشكل تشاركي بين أطراف مختلفة الخلفيات.
- عقلية الفعل بدل الانتظار (Bias Toward Action).
تُعطي هذه العقلية أولوية للحركة الواعية والتجريب المنظم. ينتج الفعل معرفة عملية يصعب الوصول إليها عبر التحليل النظري وحده. ومع كل خطوة تطبيقية، تتضح الصورة، وتتراكم الخبرة، ويُعاد ضبط المسار بناءً على معطيات واقعية.
- عقلية تقبّل الغموض (Embracing Ambiguity Mindset).
يُعد الغموض جزءًا أصيلًا من سياق الابتكار، خصوصًا في المراحل الأولى من التفكير التصميمي. تسمح هذه العقلية بتأجيل الأحكام النهائية، واستكشاف بدائل متعددة، واختبار الفرضيات بشكل تدريجي. يقود هذا المسار إلى فهم أعمق للمشكلة، ويُسهم في الوصول إلى حلول أكثر نضجًا وقيمة.
في مجملها، تعبّر عقليات الابتكار كما طوّرتها IDEO عن تحول ثقافي في طريقة التفكير واتخاذ القرار داخل المؤسسات، ويعكس تبنّي هذه العقليات انتقالًا من ثقافة التركيز على التنفيذ إلى ثقافة الفهم، والتجربة، والتعلّم المستمر.
وفي البيئات الجامعية والمؤسسية، يتجسد الاستثمار الحقيقي في الابتكار عبر بناء العقلية أولًا، ثم تطوير الأنظمة والمبادرات في ضوء هذا الأساس الفكري.
وحدة الابتكار الرقمي
_______________________________
المرجع الإلكتروني:
IDEO U – Innovation & Mindset Resources
أ.ماجد بن سليمان العضياني
د. محمد بن سعد عسيري
صالح بن ناصر القرني