يُعدّ اختيار السوق المناسب لمشروع تقني ناشئ من أكثر القرارات تأثيرًا في فرص نجاحه واستدامته؛ إذ لا يقتصر مفهوم السوق على كونه مجموعة من العملاء المحتملين، بل يشمل البيئة التنافسية والتنظيمية التي تعمل ضمنها الشركة، وطبيعة التحديات التي قد تواجهها، وحجم الفرص المتاحة للنمو والتوسع.
ولتحقيق اختيار أكثر دقة وموضوعية، يمكن الاسترشاد بمجموعة من الخطوات العملية التالية:
- تحديد المشكلة وفهمها بعمق
ينبغي أن يبدأ رائد الأعمال بتحديد المشكلة التي يستهدف حلّها بدقة، وتحديد الفئة التي تعاني منها، ثم التحقق من طبيعتها وأبعادها. وتُعد مقابلات العملاء المحتملين وتحليل تجاربهم وسلوكهم وسيلة فعّالة لاكتشاف الأنماط المتكررة التي تشير إلى وجود حاجة حقيقية تستحق التدخل والحل.
- التحقق من وجود طلب فعلي
ليست كل فكرة جيدة قابلة للتحول إلى مشروع تجاري ناجح؛ لذا من الضروري الاستناد إلى مؤشرات واضحة تدل على وجود طلب حقيقي. ويمكن تحقيق ذلك عبر أبحاث السوق، وتحليل المنافسين، وإجراء استطلاعات قصيرة تقيس مستوى اهتمام الفئة المستهدفة واستعدادها لتبنّي الحل.
- التركيز على سوق محدد بدلاً من الاستهداف العام
يسهم التركيز على شريحة سوقية محددة في المراحل الأولى في بناء عرض قيمة أكثر تخصيصًا ودقة، وتحقيق تميّز واضح مقارنةً بالحلول العامة. كما يدعم هذا النهج الوصول المبكر للعملاء، وفهم احتياجاتهم بصورة أفضل، وتطوير المنتج بناءً على بيانات واقعية.
- تقييم مستوى التشبّع التنافسي بحذر
قد يشير ازدحام السوق بالمنافسين إلى وجود طلب، لكنه قد يعكس كذلك ارتفاع حدة المنافسة وصعوبة بناء ميزة تنافسية. وعند الرغبة في دخول سوق مشبع، يصبح من المهم البحث عن فجوات غير مخدومة، أو إعادة تقديم الحل من زاوية مختلفة، أو استهداف شريحة فرعية تُهملها الحلول السائدة.
- اختبار الفكرة بسرعة قبل الاستثمار الكبير في التطوير
يوصى بتقليل المخاطر عبر اختبار الفكرة مبكرًا، قبل تخصيص وقت طويل أو موارد كبيرة لتطوير منتج مكتمل. ومن أدوات الاختبار الفعّالة: نموذج أولي مبسط، أو صفحة تعريفية تعرض الفكرة وتقيس تفاعل العملاء، أو تجربة ميدانية محدودة. ويُعد ظهور تفاعل إيجابي مؤشرًا داعمًا لاتجاه القرار.
- بناء فهم مستمر ومتعمق للعملاء
بعد تحديد السوق، ينبغي الحفاظ على تواصل منتظم مع العملاء لفهم احتياجاتهم المتغيرة وتقييم تجربة الاستخدام، بما يضمن تطوير المنتج بصورة متدرجة قائمة على التغذية الراجعة، ويعزز الولاء ويرفع احتمالات النجاح على المدى المتوسط والطويل
وخلاصة القول: إن اختيار السوق المناسب يرتكز على وجود مشكلة واقعية ذات أولوية لدى العملاء، ودلائل واضحة على الطلب، مع تركيز أولي على شريحة محددة، واتباع منهجية اختبار مبكر وتعلم مستمر من العملاء. بهذه المقاربة، تزداد احتمالات بناء مشروع تقني قادر على تحقيق قيمة ملموسة ونمو مستدام.
د. محمد بن سعد عسيري
المشرف على ادارة مسرعة الابتكار وريادة الاعمال
أ.ماجد بن سليمان العضياني
صالح بن ناصر القرني