نواصل إرسال سعادتنا لتكون ورداً يبوح بحكاياته الملونة، في هذا اليوم العالمي للقصة القصيرة، فهو تذكير بأنّ القصة أقدر الفنون على الغوص في النفس وفهم تقلباتها، بل إن عِلْم النفس استُخرِجَ من أدب القصة وقت اكتشافه، ولهذا كانت القصص أكثر الحبال جَرّاً لقارئها وسامعها.
كثير من القناعات لا تصل لفهم الإنسان إلا عبر القصص، فجاءنا القرآن وثلثه قصص، يقصّها الله على نبيه الكريم، فالقصة تُشرّحُ النفس وتطلّ على قاعها وفهم ظنونها وإرشادها وجعلها تستدل بالخيط القصصي إلى مبتغاها وطريقها، فمثاله الكبير أن قصة يوسف عليه السلام أتت قارئة ومبينة كيد البشر ودناءتهم ومدى حقدهم حتّى على إخوتهم، ولو كان خلاف هذا لكان الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه تشريعاً فقط، مجرّد أوامر ونواه.
قد أكون مُتحيزاً أدبياً، لكن من ينكر قبول فن القصة عالمياً، والعالم الآن يحتفل بها، هذا غير أن الكتب المقدسة والتي هي سقف المقروء أتت قَصَصاً وهذا لا يجيء عبثاً.
لكن لماذا هذا النفوذ لأدب القصّة في كل شبر؟! لأنها الإنسان ككل، فكلّ فنّ يُحاكي جزءاً من الإنسان، مثلاً: الاقتصاد يـُحاكي أسواق الإنسان، وعلم الاجتماع يُحاكي علاقاته وخلله الحياتي، والهندسة تُحاكي خططه ومشاريعه، والطب يحاكي مرضه وعلاجه، والحكمة تُحاكي عقله عارياً من عاطفته وميوله، ولعلّ شمولية القصة لمتطلّبات النفس البشريّة جعلتها لصيقةً بها ما عاشت.
وقد قيل يوماً أن الرواية أعلى قيمة من التفكير الفلسفي، لأنـها تلتقط حركات الروح وتشخص الوعي، كما أنّها ذات علاقات مفتوحة، واستشهادي هذا ليس تقوية لأدب القصة، لأن الأدب عامة ليس بـحاجة لـمنافحين، وليس اليوم وحده، فكلّ يوم لنا هو قصة حُبّ مع الأدب عامة ومع القصّة خاصّة، وكلّ عام وأنت يا قصّتي أجـمل.
د. محمد بن سعد عسيري
صالح بن ناصر القرني