في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو أتمتة التعليم، تعيد المملكة العربية السعودية رسم خارطة التميز الأكاديمي بمعايير تتجاوز المؤشرات التقليدية. لم يعد الحديث اليوم في أروقة الجامعات السعودية مقتصراً على "ضمان الجودة" بمفهومها الكلاسيكي، بل انتقل النقاش الاستراتيجي لعام 2025 نحو مفاهيم "الجامعة الإدراكية" و"الأثر الوطني العميق". إليكم قراءة تحليلية في أربعة تحولات كبرى تشكل المشهد الجديد للتعليم العالي السعودي.
1. من "الجامعة الذكية" إلى "الجامعة الإدراكية" (Cognitive University)
لم تعد "الجامعات الذكية" التي توفر اتصالاً سريعاً بالإنترنت هي الغاية؛ فالطموح الجديد هو "الجامعة الإدراكية" التي تفكر وتتنبأ. نشهد اليوم تحولاً جذرياً تقوده الجامعات حيث لا تكتفي التقنية بربط المباني، بل تُستخدم "التوائم الرقمية" (Digital Twins) والذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل سلوكيات التعلم واستهلاك الطاقة لحظياً. هذا النموذج الجديد ينقل الجودة من مجرد "قوائم تحقق" (Checklists) إلى أنظمة حية تتنبأ بتعثر الطالب قبل حدوثه، وتوجه الموارد البحثية نحو القضايا الوطنية الأكثر إلحاحاً، مما يجعل الجامعة كائناً واعياً يتفاعل بذكاء مع محيطه.
2. البوصلة الوطنية: التصنيف السعودي (SGR) يقلب الموازين
بينما كانت الأنظار معلقة لسنوات بتصنيفات "شانغهاي" و"QS"، جاء إطلاق "التصنيف السعودي العالمي" (SGR) من قبل هيئة تقويم التعليم والتدريب ليعيد ضبط البوصلة نحو الداخل. هذا التصنيف، الذي بدأ يؤتي ثماره في 2024، لا يقيس فقط عدد الأوراق البحثية، بل يزن "القيمة المضافة" للجامعة في سوق العمل والاقتصاد المحلي. لقد أصبح معيار التميز الجديد هو مدى مواءمة مخرجات الجامعة مع مستهدفات "برنامج تنمية القدرات البشرية"، مما أجبر المؤسسات الأكاديمية على إعادة هندسة برامجها لتكون "مصانع للكفاءات" الجاهزة للمستقبل، وليس مجرد دور لمنح الشهادات.
3. الرشاقة المؤسسية: سر البقاء في عصر المتغيرات
أفرزت تحديات السنوات الأخيرة معياراً ذهبياً جديداً للجودة هو "الرشاقة المؤسسية" (Institutional Agility). الدراسات الميدانية الحديثة في الجامعات السعودية لعام 2024 أثبتت أن الهياكل الإدارية الجامدة لم تعد قادرة على المنافسة. التوجه الحالي هو نحو منح الكليات والأقسام صلاحيات أوسع، وتبني أنظمة مشتريات وتشغيل مرنة تسمح بالاستجابة السريعة لمتطلبات البحث والابتكار. هذا التحول نحو اللامركزية المدروسة، المدعوم بنظام الجامعات الجديد، سمح لجامعات بتحقيق قفزات نوعية في كفاءة الإنفاق وسرعة اتخاذ القرار، مما جعل "الرشاقة" مؤشراً لا يقل أهمية عن "الاعتماد الأكاديمي".
4. التميز المتوج بالأثر: الذهب لمن يخدم المجتمع
في الدورة السابعة لجائزة الملك عبد العزيز للجودة (2024-2025)، لم يكن الفوز حليفاً لمن يملك أفضل المباني، بل لمن حقق أعلى "أثر مستدام". فوز جهات حكومية وخدمية بالمستوى الذهبي والبرونزي، مثل وزارة الصحة ومؤسسة "موهبة" ، وضع معياراً جديداً للجامعات: الجودة هي "الأثر". وقد بدأت الجامعات السعودية في توجيه بوصلتها نحو جوائز الاستدامة العالمية (مثل Green Gown Awards) ومبادرات الأمن الغذائي والبيئي. الرسالة واضحة: جامعة المستقبل هي التي تخرج من أسوارها لتصبح محركاً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتميز الحقيقي يقاس بما تقدمه الجامعة للمجتمع، لا بما تأخذه منه.
الدكتور / زياد بن سعيد المالكي
عميد التطوير والجودة
د.عمر النعيمي
د جمال بن حمد الحِمِدَّاء