تعمل الجامعات اليوم في بيئة متسارعة تتزايد فيها متطلبات الكفاءة والجودة والتكامل في الخدمات الأكاديمية والإدارية، بالتوازي مع تسارع التحول الرقمي وتنامي المتطلبات التنظيمية الوطنية.
ويبرز في هذا السياق تبني البنية المؤسسية كخيار استراتيجي تقوده الإدارة العليا، وتسهم منهجية البنية المؤسسية الوطنية (NORA) الصادرة من هيئة الحكومة الرقمية في ضبط هذا التوجه، وتعزيز الاتساق المؤسسي وحوكمة القرار.
ومن هنا، تتضح أهمية إعادة ضبط فهم البنية المؤسسية ودورها داخل الجامعة بوصفها أداة قيادية تمكينية.
البنية المؤسسية: أداة قيادة لا وظيفة تقنية.
ينبغي النظر إلى البنية المؤسسية على أنها منظومة تمكينية للقرار القيادي، وليست نشاطاً تقنياً محصوراً في تقنية المعلومات، فهي الإطار الذي يربط بين:
- الرؤية والرسالة.
- الأهداف الاستراتيجية.
- العمليات الأكاديمية والإدارية.
- البيانات والأنظمة والتقنية.
- تجربة المستفيد والأمن والاستدامة.
وعند تطبيقها وفق منهجية NORA، تصبح البنية المؤسسية وسيلة لضمان مواءمة توجهات الجامعة مع التوجهات الوطنية، وتعزيز التكامل مع الجهات الحكومية، وتحقيق مستوى عالٍ من النضج المؤسسي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور مكتب البنية المؤسسية بوصفه الجهة المعنية بترجمة هذا التوجه الاستراتيجي إلى نماذج ومعايير وممارسات مؤسسية تدعم القيادة وتوحّد الجهود على مستوى الجامعة.
فإذا كانت البنية المؤسسية بهذا الامتداد والشمول، فإن السؤال الجوهري يتمثل في سبب اعتبارها أولوية مباشرة على طاولة الإدارة العليا. (لماذا ينبغي أن تحظى البنية المؤسسية بأولوية مباشرة على طاولة الإدارة العليا؟)
لماذا تمثل البنية المؤسسية أولوية للإدارة العليا؟
1- تمكين القرار الاستراتيجي المبني على صورة شاملة:
توفر البنية المؤسسية للإدارة العليا رؤية متكاملة عن الوضع الراهن، والفجوات، والفرص، ما يمكّن من اتخاذ قرارات استراتيجية دقيقة مبنية على فهم شامل للعلاقات بين الأعمال، والأنظمة، والموارد
2- تعزيز الحوكمة ورفع كفاءة الإنفاق:
من خلال ضبط المشهد المعماري للجامعة، تساعد البنية المؤسسية على:
- تقليل الازدواجية في الأنظمة والمبادرات.
- توحيد المنصات والخدمات.
- توجيه الاستثمارات التقنية نحو أولويات واضحة.
وهو ما ينعكس مباشرة على ترشيد الإنفاق وتحقيق قيمة مستدامة.
3- ضمان تكامل المبادرات وتحقيق الأثر المؤسسي:
تعاني كثير من المؤسسات من تعدد المبادرات دون تحقيق أثر ملموس. تُمكّن البنية المؤسسية الإدارة العليا من إدارة محفظة المبادرات بوعي، وضمان تكاملها وتوافقها مع الاستراتيجية العامة، بدلاً من العمل في مسارات متوازية غير مترابطة.
4- دعم التحول الرقمي وضمان استدامة مخرجاته:
يقوم التحول الرقمي في الجامعة على نموذج تشغيلي متكامل، تضبطه البنية المؤسسية وتوجّه مساره، بما يضمن أن تكون مخرجاته:
• متسقة.
• قابلة للتوسع.
• متوافقة مع المتطلبات الوطنية.
• مستدامة على المدى الطويل.
5- تحسين تجربة المستفيد وتعزيز سمعة الجامعة:
عندما تتكامل العمليات والأنظمة داخلياً، تنعكس النتائج مباشرة على تجربة الطالب وعضو هيئة التدريس والموظف. وهو ما يسهم في رفع رضا المستفيدين وتعزيز الصورة المؤسسية للجامعة كمؤسسة حديثة وفعّالة.
ولضمان أن تُترجم هذه الأدوار إلى ممارسة مؤسسية منضبطة، يأتي تطبيق البنية المؤسسية ضمن إطار حاكم واضح يوجّه العمل ويضبط مخرجاته.
المنهجية الوطنية للبنية المؤسسية (NORA): إطار حاكم يدعم القيادة
يمثل تطبيق البنية المؤسسية وفق NORA التزاماً بمنهجية وطنية موحدة، تهدف إلى:
- رفع نضج الحوكمة المؤسسية.
- تعزيز التكامل الحكومي.
- دعم متطلبات قياس التحول الرقمي.
- توحيد المفاهيم والممارسات المعمارية.
وبالنسبة للإدارة العليا، فإن NORA ليست إطاراً إجرائياً، بل أداة لضمان أن قرارات الاستثمار والتطوير تسير ضمن مسار وطني واضح، وتحقق أعلى قيمة ممكنة.
غير أن فاعلية أي إطار أو منهجية تبقى مرهونة بمدى تبنيها ودعمها على مستوى القيادة العليا، ويأتي مكتب البنية المؤسسية في الجامعة كأحد الممكنات الرئيسة لهذه الرحلة المؤسسية، من خلال العمل مع القيادات والجهات المختلفة لترسيخ الممارسة المؤسسية، وضمان استدامة الأثر، وتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى واقع عملي.
دور الإدارة العليا في إنجاح البنية المؤسسية
نجاح البنية المؤسسية يعتمد بشكل أساسي على دعم القيادة، ويتطلب ذلك:
- تبنيها كإحدى أدوات الحوكمة والقرار.
- تمكين مكتب البنية المؤسسية ومنحه الصلاحيات اللازمة.
- ربط اعتماد المشاريع والمبادرات بالامتثال المعماري.
- ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي والتكامل بين الوحدات.
وفي ضوء ما سبق، تتجلى البنية المؤسسية كخيار استراتيجي طويل المدى يعكس نضجًا إداريًا ورؤية مؤسسية واعية، ويمضي بالجامعة في مسار متكامل يعزّز الكفاءة والانسجام بين مكوناتها، ويدعم تحقيق مستهدفاتها الوطنية والتعليمية وفق منهجية نورا.
ويظل دور الإدارة العليا العامل الحاسم في ترسيخ هذه الممارسة وتحويل البنية المؤسسية إلى أداة فاعلة تصنع الأثر وتدعم استدامة الأداء المؤسسي.
أ.ماجد بن سليمان العضياني
د. محمد بن سعد عسيري