صوت الصورة السريع!
انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من المصطلحات الحديثة بين شباب هذا العصر، قد لا تعرف ما هو مصدرها اللغوي أو حتى وزنها الصرفي لكن الاكيد أنك ستميز معناها في سياقها المستخدم؛ حيث غدت الوريث الرقمي للأمثال الشعبية. نجد اليوم في ممرات الجامعات وبين صفحات منصات التواصل الاجتماعي أن البلاغة لم تعد حكرًا على لسان الفصاحة، بل انتقلت إلى لغة البكسل والصورة! تومض الشاشات وترطن الألسنة بـ"الرياكشنات/الميمز" وجمل متقطعة من ترندات عابرة أصبحت هي اللسان الجديد والملكة التعبيرية السائدة في التواصل اليومي، فمن يرى ويسمع في هذه اللغة المعاصرة يجد أنها تؤدي الوظيفة الجوهرية ذاتها التي كان يؤديها المثل الشعبي قديمًا، إلأ وهي تلخيص موقف إنساني معقد في قالب مكثف. فمن العبارات الدراجة اليوم قول كلمة "شنغل ومنغل" كبديل عصري لقولنا "زيد أخو عبيد" لوصف التشابه التام والواضح بين شيئين، وإذا أراد أحدهم التعبير عن فوات الآوان وانقضاء الأمر لجأ لقوله "وصل الملك" بدلًا عن "سبق السيف الذل". ويمتد هذا الإحلال اللغوي حتى في وصف الطباع البشرية؛ فبعد أن كان يضرب المثل بـ"حقد الجمل" لوصف الشخص الذي لاينسى الإساءة، استبدله الشباب بجملة "البعير إذا حقد والله مايفكك" كنوع من التعبير ذاته بلهجة عفوية ساخرة. وحتى في مواقف الاستحالة تراجع قولنا "إذا حجت البقر على قرونها" أمام كلمة مقتضبة مثل "دق علي" . أما الشخص الذي يبالغ في اشتراطاته وهو في موقف لايسمح له بذلك فبدلًا من وصفه بـ"طرار ويتشرط"، أصبح يواجه بالسؤال التهكمي الشهير: "ماودك بكنتاكي بعد؟".
ورغم هذا التشابه الكبير في نقل المعنى، إلا أن هناك فرقًا جوهرياً يفصل بين الثقافتين؛ وهو أن الأمثال الشعبية تتسم بالديمومة والخلود، فهي نتاج تجارب شعوب صقلت عبر قرون وبقيت صالحة لكل زمان. أما الميمز/الرياكشنز والتعابير الحديثة فهي كائنات رقمية تعيش حياة قصيرة المدى! تولد من موقف عابر وتنتشر كالنار في الهشيم، ثم ماتلبث أن تموت ويختفي صداها بمجرد ظهور بديل جديد يحل محلها. هذا الاستهلاك السريع للغة والتحول في التبديل يضعنا أمام سؤال مهم لمستقبل اللغة: هل ستسود الميمز تمامًا وتختفي معها الأمثال الشعبية من حديثنا اليومي؟ وهل يمكن لـ"رياكشن" عابر أن يحمل ثقل الحكمة التي توارثتها الأجيال، أم أننا سنفقد رصانتنا اللغوية لصالح صور رقمية تموت في أيام؟!
نجود عبدالله العرجاني
دراسات عليا
