من عصا سليمان إلى خلية البيانات حين يتجسّد الأثر
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ: 14]
في مشهدٍ مهيبٍ من سورة سبأ، يخبرنا الله تعالى عن وفاة نبيه سليمان عليه السلام وكيف لم تعلم الجن بموته إلا حين أكلت دابة الأرض عصاه فتهاوى جسده فبان لهم ما كان مستترًا.
مشهدٌ يتجاوز القصة إلى معنى أعمق: أن الحقيقة قد تغيب لكن أثرها لا يزول ومن هذا المعنى نشأ علمٌ يُدرس اليوم من أجل كشف الحقيقة علمٌ يجعل من كائناتٍ دقيقة شاهدة على ما لا يراه البشر.
تلك الحشرات التي تتخذ الرفات وطنًا لها تُحول دورتها البيولوجية إلى ساعةٍ دقيقة في يد المحقق تهمس له بما خفي عن الأعين.
في فنلندا عام 1965على سبيل المثال عُثر على بقايا محروقة لرجل داخل صندوق أسمنتي وبفحص الذباب الأزرق الذي أحاط بالجثة تبين أن الوفاة حدثت قبل تسعة أيام من اكتشافها وأن الجثة وُضعت في مكان مظلل لأن نوع الذباب الذي يعيش في الشمس لم يكن حاضرًا في بيئة الجريمة.
فهكذا علمتنا الحشرات أن حتى الصمت في مسرح الجريمة له صوت وأن وجود نوع غير متوقع قد يكون الدليل على نقل الجثة أو التلاعب بمسرح الحقيقة وكما تُخبر الحشرة المحقق عن زمن الجريمة في مسرح أرضي صامت تُخبر الكاشفات السيبرانية المحلل الرقمي بزمن الاختراق في فضاء لا يرى.
ففي الفضاء الرقمي أيضًا، لا يختفي الأثر، بل يتحول إلى نبضة في سجل أو إشارة عابرة في تدفق البيانات ترصدها أنظمة لا تنام لتروي حكاية جريمة رقمية لم يشهدها أحد فالكاشفات في الأمن السيبراني هي "دابة الأرض" في عالم التقنية فهي التي تلتقط أول خيط يفضح سقوط النظام وتكشف للمحقق الرقمي ما كان مستترًا خلف جدار من التشفير أو التضليل. كما تنجذب الحشرات إلى الجثث المتحللة بسبب الرائحة والمواد الكيميائية الناتجة عن التحلل، فإن أنظمة الكشف السيبراني تنجذب إلى "روائح رقمية" (Digital Signatures) مثل:
الأنماط غير الطبيعية في حركة المرور.
الملفات التنفيذية المعدلة.
التكرار في محاولات الدخول.
وكما أن الحشرة الأولى على الجثة تحدد زمن الوفاة، فإن الإنذار الأول في النظام يحدد بداية الاختراق أو زمن أول نشاط خبيث.
بالمثل كل كاشف سيبراني يرتبط بطبقة معينة من النظام:
IDS - بيئة الشبكة .
HIDS - المضيف (النظام نفسه
AV - الملفات الداخلية.
Firewall - الحواف والحدود.
وبينما تستخدم الحشرات أدواتها البيولوجية في تحليل الجثة،
تستخدم الكواشف أدواتها الخوارزمية في تحليل الشبكة.
كلاهما يبحث عن تغيّرٍ غير طبيعي في البيئة،
وكلاهما يربط بين “المؤشرات الصغيرة” و“الحقيقة الكبرى”.
وهكذا يتقاطع علم الحشرات الجنائي مع علم الطب العدلي الرقمي،
فالأول يُعيد بناء الجريمة من تفاعلاتٍ حيويةٍ في الجسد،
والثاني يُعيدها من تفاعلاتٍ رقميةٍ في النظام،
وكلاهما يُثبت أنَّ الأثر مهما خفي لا يزول.
ختامًا :
إن العدالة في صورتها الإلهية والإنسانية لا تُقام فقط في ساحات القضاء
بل في كل نظام كُتب له أن يشهد على الفعل سواء كان جسدًا أو جهازًا
فكما أن دابّة الأرض كشفت ما خفي عن أعين الجن
وكما أن الحشرات دلت على الجريمة حين صمت الشهود
فإن الكواشف في الفضاء السيبراني تُعيد صدى العدالة في بُعدٍ جديد،
لتُثبت أن القوانين الإلهية لا تتبدل، بل تتجسد في كل عصرٍ بأدواته.
فالعدالة التي كانت تُقرأ من أثرٍ على التراب
أصبحت اليوم تُقرأ من أثرٍ على البيانات
وبين دابة نخرت عصا نبي لتكشف موته
ونظام يرصد خلية بيانات لتكشف هجومًا
فالأمر أمتدات لمبدأ واحد وهو
أن لا شيء في هذا الكون يختفي بلا أثر
وأن لكل أثر شاهدا ولكل جريمة كاشف
مهما تغير مسرحها من الأرض إلى الفضاء السيبراني.
الطالبة/ ليان محمد البطاح
كلية هندسة وعلوم الحاسب -نظم معلومات
