ترطيب الجسم: الحقيقة وراء خرافة 8 أكواب ماء يومياً
هل تشرب الماء خوفاً من الجفاف أم خضوعاً لإعلانات تجارية؟ في عالم تملؤه النصائح المتضاربة حول الصحة والعافية، تبرز قاعدة "8 أكواب ماء يومياً، وهي تساوي لترين تقريبا" كواحدة من أكثر الخرافات الصحية رسوخاً في الوعي الجماعي. ولكن ماذا يقول العلم عن هذه القاعدة التي نرددها دون تفكير؟
تشير الدراسات الفسيولوجية الحديثة إلى أن توازن السوائل في أجسامنا أكثر تعقيداً وذكاءً من مجرد رقم ثابت، وأن المبالغة في شرب الماء قد لا تكون دائماً في مصلحتنا.
الماء أكثر من مجرد ارتواء
يشكل الماء حوالي 60% من وزن أجسامنا، لكن هذه النسبة تختلف بشكل كبير حسب العمر والجنس ونسبة الدهون في الجسم. يمثل الماء جوهر العمليات الحيوية في أجسامنا، فهو الوسط المثالي لجميع التفاعلات الكيميائية، والمحرك الأساسي لعمليات الهضم، ووسيلة النقل للمغذيات والفيتامينات والهرمونات والفضلات. كما يلعب دوراً حاسماً في تنظيم حرارة الجسم وحماية الدماغ والمفاصل. وأحسن وأكمل وصف لدور الماء في الحياة ما جاء في الآية الكريمة (وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ) سورة الأنبياء الآية 30.
لماذا تعتبر قاعدة "الـ 8 أكواب" خرافة؟
يؤكد الخبراء أن هذه القاعدة "معيبة" لعدة أسباب؛ فهي تتجاهل أننا نحصل على كميات كبيرة من الماء من خلال الأطعمة (مثل الفواكه والخضروات والحساء)، والتي قد تغطي ما يصل إلى 1000 مل من احتياجنا اليومي. كما أن أجسامنا تنتج "ماءً داخلياً" كناتج لعمليات التمثيل الغذائي داخل الخلايا. بالإضافة إلى ذلك، تختلف احتياجات البشر للماء بناءً على العمر، والجنس، والنشاط البدني، والمناخ، مما يجعل الرقم الموحد غير منطقي.
العطش.. منبه ذكي وليس علامة متأخرة
من الأخطاء الشائعة القول بأنك "إذا شعرت بالعطش، فأنت بالفعل في حالة جفاف شديد". الحقيقة العلمية تقول إن العطش هو آلية فسيولوجية حساسة ومبكرة. الدماغ يمتلك مراكز استشعار دقيقة تكتشف أي تغير بسيط (حتى لو بنسبة 1%) في تركيز الأملاح في الدم. بحيث أن زيادة تركيز الأملاح في الدم بنسبة 2% فقط تكفي لتحفيز الرغبة الشديدة في الشرب. لذا، بالنسبة للشخص الصحيح، يعتبر العطش مرشداً موثوقاً به للغاية.
خطران متعاكسان،الجفاف وفرط الترطيب:
اختلال توازن ماء الجسم يؤدي إلى أحد أمرين كلاهما يضر بصحة الجسم ويخل بعمل المنظومة الحيوية بالكامل؛ وهما الجفاف وفرط الترطيب ((Dehydration vs Overhydration.
- الجفاف وفرط الصوديوم((Dehydration & Hypernatremia: يحدثان نتيجة نقص السوائل أو فقدانها المفرط، وتشمل الأعراض: الإرتباك والخمول، انخفاض ضغط الدم، زيادة تركيز الصوديوم في الدم.
فرط الترطيب ونقص الصوديوم (((Overhydration & Hyponatremia: يعتبران من أكثر اضطرابات الأملاح شيوعاً في المستشفيات (15-25% من المرضى).
التسمم المائي:
يقع الكثيرون في خطأ التركيز فقط على تجنب الجفاف، متجاهلين أن فرط الترطيب قد يكون بنفس الخطورة، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة. بقدر ما نخاف من الجفاف، يجب أن نحذر من "فرط الارتواء" أو ما يعرف بـ (Hyponatremia)، شرب كميات ضخمة من الماء تفوق قدرة الكلى على التصريف يؤدي إلى انخفاض حاد في مستوى الصوديوم في الدم، مما قد يسبب تورم خلايا الدماغ، ويؤدي إلى الصداع، الغثيان، وفي الحالات الشديدة قد يؤدي إلى الغيبوبة. القاعدة الذهبية هنا: "التوازن هو الأساس"

كيف تعرف مستوى ترطيب جسمك؟
بدلاً من عد الأكواب، يقدم لنا الأطباء أداة بسيطة وفعالة، وهي مراقبة لون البول:
- الشفاف: بول مخفف جدا، ربما تتناول كمية كثيرة من الماء.
- الأصفر الباهت (يشبه لون القش)، حالة ترطيب مثالية.
- الأصفر الداكن: بحاجة لشرب المزيد من السوائل.
البني: قد يشير إلى مشكلة صحية أو جفاف شديد يتطلب تدخلًا.
علما بأن لون البول يتأثر أيضا بنوعية ما تتناوله من المأكولات والمشروبات والفيتامينات والأدوية، وكذلك بوجود مشاكل صحية، ويتخذ ألوانا أخرى متعددة.

تسويق أم فسيولوجيا؟
يواجه المجتمع موجة من الادعاءات التسويقية التي تروج لمنتجات معينة، مما أدى إلى انتشار مفاهيم خاطئة؛ ولكن العلم يصوب هذه المفاهيم:
- المشروبات الرياضية: ليست ضرورية للجميع، بل فقط للرياضيين الذين يمارسون جهداً مكثفاً لأكثر من ساعة لتعويض الأملاح المفقودة في العرق. أماالتمارين التي تقل عن 60-90 دقيقة، فالماء كافٍ.
- المياه القلوية أو المحسنة: لا يوجد دليل علمي قوي على تفوقها، فالجسم ينظم حموضة الدم بدقة متناهية عبر الكلى والرئتين.
- مياه "الديتوكس" (اشرب ماءً إضافياً لطرد السموم) : الكبد والكلى هما المسؤولان عن تنقية السموم، والماء يدعم وظيفتهما الطبيعية لكنه لا "يغسل" السموم سحرياً بمجرد إضافة قطع فاكهة إليه. الترطيب يساعد ذلك، ولكنه لا يطرد السموم" بما يتجاوز الإخراج الطبيعي.
- زيادة شرب الماء وفقدان الدهون والطاقة: يتحدد توازن الطاقة ووزن الجسم بنوعية النظام الغذائي نسبة للنشاط البدني وليس بكثرة شرب الماء.
نصائح عملية لكل فئات المجتمع:
- استمع إلى عطشك وتحقق من لون بولك.
- إذا كنت تتمتع بصحة جيدة، فلن تحتاج إلى إجبار نفسك على شرب الماء أكثر من حاجتك للشعور بالعطش.
- تذكر أن الفواكه والخضراوات والحساء تُحسب أيضاً ضمن حصتك من السوائل.
- زد من شرب السوائل في حالات زيادة المجهود البدني، أو ارتفاع درجة الحرارة، أو المرض.
- راقب كبار السن: مع التقدم في العمر، يضعف الإحساس بالعطش، لذا يجب تشجيعهم على شرب الماء بجدول منتظم.
الحالات الخاصة: إذا كنت تعاني من مشاكل في القلب أو الكلى، فاستشر طبيبك لتحديد خطة سوائل دقيقة تناسب حالتك.
الدكتور/ نصرالدين عثمان باحكيم
قسم العلوم الطبية الأساسية - كلية الطب
أ.سعود بن راشد العبدان
أ.د. أحمد محمد عابد