يتميز مهندس الهندسة الصناعية بفهم أهمية 3 أشياء، الوقت – الكلام – الفرص، وعمق الفهم يكمن في أن الثلاثة أشياء لا تعود، لذلك فهم أن الاستفادة القصوى من الوقت تظهرها زيادة الإنتاجية ذات الجودة العالية وإتقان الكلمة التي تحرك تروس الإنتاج وتقود المؤسسات بإيجابية نحو تحقيق الصالح العام وكذلك هو قارئ جيد لفرص المُستقبل ومُستعد لها بشكل استباقي لحسن اتخاذ القرار الأمثل في الوقت المناسب.
الهندسة الصناعية هي مزيج بين علوم هندسة الإنتاج والتصنيع الميكانيكي المشتقة من رحم الهندسة الميكانيكية الممزوجة بعلوم الحاسبات والمنظومات التي تُمكن المهندس الصناعي من الاستفادة القصوى من أمكانيات الذكاء الصناعي، بحُسن الاستخدام والتطبيق.
لقد تشبع المهندس الصناعي بإحدى عشر مفهوم ساعدوه على فهم إمكانياته القيادية والتنظيمية والتخطيط الأمثل للموارد المتاحة لتحقيق الصالح العام.
المفهوم الأول:
سياج تشيسترتون Chesterton’s Fence - 1929، "لا تُزِل سياجًا أو قاعدة أو نظامًا قائمًا حتى تفهم أولًا سبب وجوده." فعندما نجد إجراءً أو قاعدةً أو تقليدًا يبدو غير ضروري، فإن التصرف الحكيم ليس إلغاؤه مباشرة، بل البحث عن السبب الذي دفع الناس إلى وضعه في المقام الأول. فقد يكون يؤدي وظيفة مهمة غير واضحة حاليًا.
وهذه دعوة للحذر من أن تهد أي شيء قبل ما تعرف هو أتبنى ليه أساساً، لأن ممكن يكون في سبب، ووجود هذا الشيء لحل مشكلة لم تتطلع عليها بعد. هذا السياج دعوة للتطوير وليس الهدم، دعوة للتحسين وليس التشويه وإضاعة الوقت الذي فهمنا أهميته.
المفهوم الثاني:
قانون باركنسون (Parkinson’s law) عام 1957، "العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه." لذلك يجب فهم أن تمدد العمل مُعتمد على تحديد الوقت الفعلي لإنجازه، فكلما أمهلت نفسك وقت أطول، أدى ذلك لتقليل معدل الأداء العام، بينما لو حددت الوقت المطلوب لأداء المهمة المطلوبة بدقة، فستكتشف أن معدل الأداء أرتفع.
وهذه دعوة لتدقيق وقت انجاز المهام بناء علي خبرات السابقين و مقارنات المشاريع المناظرة التابعة للمؤسسات المرموقة.
المفهوم الثالث:
مبدأ بيتر Peter من كتاب لورانس بيتر سنة 1969 بعنوان (Why Things Always Go Wrong)، المهندس الصناعي فاهم أن وجود الشخص المناسب بالمكان المناسب أهم كلمة يتفوه بها عند توزيع المهام، وعليه إلغاء فكرة الترقية الهرمية بمشاريعه التي يشرف عليها، لأن في أي هيكل هرمي، يميل كل عامل إلى الترقي حتى يصل إلى مستوى عدم كفاءته."
أي أن العامل (موظف أو مدير أو ...) يُرقّى بناءً على نجاحه في وظيفته الحالية، وليس بالضرورة بناءً على قدرته على أداء الوظيفة الأعلى، التي ربما يكون لها مهارات أخرى وسياجات تحتاج استعداد ومع استمرار الترقيات، قد يصل إلى منصب يتطلب مهارات مُختلفة لا يمتلكها، فيصبح أداؤه أقل كفاءة، ويضعف أداء المؤسسة كاملاً.
وهذه دعوة للمهندس الصناعي لفهم التأثير النفسي لطموح العاملين للترقية، رغم عدم الكفاءة الكافية ليها، وتتشبث بالاستقرار فيها، مما يضر الصالح العام؟؟
لهذا، عليه أن يدير المهندس الصناعي مشروعه بكفاءة الاستقلالية المهنية لكل إدارة، والاستعاضة بالحوافز بديلا للترقية، كما أشار فريدريك تايلور في مقترح الإدارة العلمية بتخيير المُتقدم على الترقية لاجتياز دورات تأهيلية، فعند اجتيازه لها يصبح مؤهلاً للترقية.
المفهوم الرابع:
قانون هوفستادتر Hofstadter’s law من كتاب جودل إسخر باخ الصادر سنة 1979 حيث أن كل شيء تتوقع الانتهاء منه في زمن محدد، غالبا سيستهلك وقت أكبر من المتوقع، حتى عندما تأخذ قانون هوفستادتر نفسه في الاعتبار. يشير القانون إلى أن البشر يميلون إلى التقليل من تقدير الوقت اللازم لإنجاز المهام المعقدة، لأن هناك دائمًا عوامل غير متوقعة وصعوبات خفية تظهر أثناء التنفيذ.
وهذه دعوة الى تحديد خطة قائمة على دراسة جدوى دقيقة، فلا تتسرع في بناء خطط التنفيذ وتعلم مُخططات جانت للمهام المطلوبة بعد فهم علاقتها بواسطة مخططات بيرت PERT
المفهوم الخامس:
مبدأ باريتو Pareto 80/20 اللي صاغه جوزيف جوران، حيث أشار أن 80% من النتائج ممكن تحصل عليها من 20% من المجهود. هذا المبدأ يدفع المهندس الصناعي لفهم مُعوقات الإنتاجية الأكثر تأثيراً تبعاً لتحليل FMEA وتحديد رقم الخطورة الأكثر أولوية لعلاجها أولاً، وبالتالي يكون قد بذل 20% من مجهوده وأنهى على 80% من توابع المشكلات وحقق نجاح سريع في وقت قصير.
المفهوم السادس:
شفرة هانلون Hanlon’s Razor الفلسفية، (لا تنسب إلى سوء النية ما يمكن تفسيره بشكل كافٍ بالجهل أو الخطأ أو الإهمال) بلاش تفسر كل حاجة غلط بسوء نية، لأن ممكن يكون مُسببات المشاكل سببها إهمال أو قلة خبرة وليس خبث أو تعمد أتلاف. لذلك من المهم للمهندس الصناعي فهم علم النفس السلوكي لتشخيص الاضطرابات السلوكية وتمرسه في فهم سيناريوهات التعامل معها لضبط إيقاع زمني دقيق لتنفيذ الخطط المتفق عليها للحفاظ على الإنتاجية والجودة والأداء في أعلى مستوياتها.
شفرة هانلون تدعو إلى التفكير العقلاني والتماس الأعذار وتجنب التفسيرات القائمة على سوء النية قبل التحقق من الأسباب الأبسط والأكثر احتمالًا. وهي من أكثر المبادئ استخدامًا في الإدارة والقيادة وحل النزاعات تلك الشفرة تدعونا للتركيز على تحقيق الأهداف ليس صراعات تفسير ما أنجبه الجهل والإهمال من الأخرين على انه تعمد، ربما يحتاجون للمساعدة والتعلم والتدريب.
المفهوم السابع:
مفارقة الاختيار ((The Paradox of Choice لباري شوارتز وقانون هيك Hick’s law، حيث مع زيادة الأختيارات سيصبح القرار أبطأ وأصعب، وينخفض مستوى الرضى النهائي بالاختيار المقبول. لذلك يجب ان يكون لديك رؤية أستباقية للفرص المتاحة وتصنيف الاختيارات وتحديد وزن نسبي لها وأولويات تتوافق مع الموارد والوقت، حتى يقع الاختيار على الأكثر نفعاً وموضوعية.
المفهوم الثامن:
قانون غودهارت Goodhart’s law المعروف بالأوساط الاقتصادية والسياسية (عندما يصبح المقياس هدفًا، فإنه يتوقف عن كونه مقياسًا جيدًا.)، عندما تستخدم مؤسسة مؤشرًا معينًا لقياس الأداء، يبدأ الأفراد في التركيز على تحسين هذا المؤشر نفسه بدلًا من تحسين الأداء الحقيقي الذي يفترض أن يعكسه المؤشر.
وهذا القانون يحذر المهندس الصناعي من التحيز، لأن إذا استخدمت مقياس كمؤشر لقياس مدي تحقق هدف معين، فحذاري أن يتحول المؤشر الي هدف، والا تكون قد وقعت في فخ التحيز، وأهملت الهدف، بمعنى أنك اذ تقيس الإنتاجية بعدد المنتجات، فإذا تحيزت لزيادة عدد المنتجات المقدمة وجعلته هدف، فقد وقعت في فخ التحيز، حيث أهملت جودة المنتجات نفسها التي كنت تستهدف زيادتها، وذلك مرفوض.
المفهوم التاسع:
تأثير دانينغ كروجر Dunning-Kruger المعروف من عام 1999، حيث ان الغرور في اتخاذ القرارات يتناسب عكسيا مع المعرفة والفهم، فكلما كنت جاهلاً ستجد نفسك تتخذ قرارات مصيرية بسرعه كفيله لإهلاكك، بينما مع زيادة العلم والمعرفة تجعلك تتأنى في اتخاذ القرارات وتفهم معني تقدير الكلمة التي ستصدر منك وتحترم قيد الوقت أكثر.
يعد هذا المخطط دعوة صريحه للتعلم المُستمر وفهم وتحليل النتائج السابقة والاستفادة منها والايمان بأن الشك في نفسك وليس بالأخرين والذي يأخذك لليقين هو شك مسموح به.
المفهوم العاشرة:
شفرة أوكام Occam’s Razor الفلسفي المشهور، حيث إن أبسط تفسير غالبا بيكون هو الحل الأمثل، لأنه كلما استطعت تبسيط أفكارك بعني فهمك لها وإلمامك بقيودها وأهدافها وإمكانيات تنفيذها، بينما الشروحات المعقدة للأفكار تدل على عدم امتلاك صاحبها لألة التنفيذ الأمثل.
المفهوم الحادي عشر:
قانون فريد بروكس Brooks’s law المذكور عام 1975 بكتاب الشهر الأسطوري، حيث يحذر من أضافه أو ضخ موارد (عمالة – أموال – طاقة) أكثر لمشاريع متأخرة، غالبا سيؤخر المشروع أكثر، نظراً لأن التنسيق بين الأفراد سيتعقد أكثر، وربما يدفع البعض بإزاحة مهامهم على الأخرين، مما يؤخر الإنتاجية وربما يقلل من الجودة المتوقعة، لذلك يجب ان يكون التوصيف الوظيفي محدد مسبقا لكل فرد وخطة أستغلال الموارد محددة زمنياً، حتى لا نقع بفخ بروكس.
مثال إدارة مشروع يقدم منتجات للأسواق:
دانينغ-كروجر: عضو قليل الخبرة يعتقد أن حل المشكلة بسيط بينما يراه الخبراء أكثر تعقيدًا، لذلك الاستماع لمشورة الخبراء من المهارات المهمة للمهندس الصناعي عند تحديد الوقت المناسب لكل نشاط.
باركنسون: العمل يستهلك كامل الوقت الممنوح له.، فكن دقيقاً في ضبط زمن كل نشاط، بما يتماشى مع الإنتاجية المطلوبة.
مبدأ بيتر: قد يترقى الموظف حتى يصل إلى منصب لا يمتلك كفاءته، لذا يجب الترشيح لدورات تأهيلية مع منافسين له، لأثبات جدارة الترقية أو يظل في منصبه الحالي المتفوق فيه، وهذا أنفع للمؤسسة، وحذاري من مخالفة نصيحة دانينغ-كروجر.
قانون بروكس: إضافة عدد كبير من المهندسين في المراحل النهائية قد تزيد التأخير بسبب التدريب والتنسيق، لذلك تحديد افراد الفريق من بداية المشروع مهم جداً، مع احترام وفهم مخطط دانينغ-كروجر عند اختيار فريق العمل.
غودهارت: التركيز على مؤشر أداء واحد قد يحسن الرقم لا الأداء الحقيقي، لذلك يجب ان تتعدد مؤشرات الأداء ليصبح التركيز على الهدف واضحا للجميع.
هيك ومفارقة الاختيار: كثرة البدائل تؤخر القرار وتقلل الرضا عنه، فكن موضوعياً
هانلون: ينبغي عدم افتراض سوء النية عند وقوع الأخطاء، فربما الإهمال غير المتعمد أو الجهل سببا، فألتمس العذر وقدم المساعدة.
الخلاصة
يعتمد المشروع على تطوير مُنتجات ذكية ذات قيمة سوقية مرتفعة من خلال التركيز على رضا العملاء، مع إدارة زمنية فعالة وفق قانون باركنسون، والمحافظة على المُمارسات التشغيلية ذات القيمة وفق مبدأ سياج تشيسترتون، ووضع جداول زمنية واقعية تأخذ في الاعتبار قانون هوفستادتر، بما يحقق الاستدامة التشغيلية والتميز التنافسي في السوق، وعلى المهندس الصناعي مدير المشروع الالتفات لمخطط تأثير دانينغ-كروجر الذي يُعد من أهم المفاهيم في القيادة والإدارة واتخاذ القرار؛ لأنه يوضح أن الثقة ليست دائمًا مؤشرًا على الكفاءة، وأن الوعي بحدود المعرفة هو أحد علامات الخبرة الحقيقية، و أن معرفة وفهم شفرة أوكام الذهبية في التفكير النقدي وحل المشكلات، حيث التفسير الأبسط للمشكلة هو الأفضل طالما تناول كل الافتراضات والتي هي دليل الخبرة التي يوضحها غودهارت عند أشارة الضرورة لفهم أن مؤشرات الأداء هي أدوات للقياس وليست هدافًا بحد ذاتها عندما يتحول المؤشر إلى هدف مستقل، قد تتحسن الأرقام بينما يتدهور الأداء الحقيقي.
أ.د. أحمد محمد السيد عابد
أستاذ الهندسة الصناعية بكلية الهندسة (الخرج) – جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز واستشاري الهندسة الصناعية.
م. يزيد بن عبدالعزيز الحقباني
أ.خالد بن ملوح الشمري 