في زحمة الأخبار العابرة والقصص اليومية المستهلكة، تبرز حاجة إنسانية أعمق: الحاجة إلى سيرة تُروى، وإلى حياة تُوثَّق، وإلى شخصية تُخلَّد؛ ومن هنا جاء مصطلح «الشخصية البيوغرافية»؛ ليشكّل أحد أهم أركان السرد التوثيقي والقصصي في المناهج الإعلامية والدراسات الصحفية.
فما هي هذه الشخصية؟ هي بناء صحفي متكامل لسيرة شخصية واقعية، يقوم على ثلاثة أعمدة: التوثيق، والتحليل، والسرد؛ وهدفها ليس مجرد إعادة عرض الأحداث، بل تسليط الضوء على المحطات الفاصلة في حياة صاحبها، وإبراز أثره التنموي والمعرفي في المجتمع؛ إذ يندرج هذا المصطلح تحت قالب «التقرير الصحفي الخاص بعرض الشخصيات»، سواء كانت الشخصية أكاديمية، أو تاريخية، أو سياسية، أو رياضية.
أولاً: القوالب الإعلامية الثلاثة للشخصية البيوغرافية
يُستخدم هذا القالب في ثلاثة أشكال رئيسية تتكامل فيما بينها، وكل شكل منها يخدم غرضاً مختلفاً ويخاطب جمهوراً مختلفاً:
1. الأفلام الوثائقية الإعلامية: وهي الأكثر عمقاً وتأثيراً؛ إذ تعتمد على إعادة بناء الشخصية عبر الأرشيف الشفهي والمرئي، وتتخللها مقابلات مع المعاصرين لها، مع تحليل مسيرتها؛ فهي أقرب إلى نسيج حيّ يُعاد حياكته أمام عين المشاهد.
2. البروفايل الصحفي: وهو الأكثر انتشاراً في الصحافة الورقية والإلكترونية؛ إذ يُبرز التحولات الكبرى في حياة الشخصية، سواء عند تحقيقها إنجازاً استثنائياً أم عند رحيلها؛ وهنا تُختصر الحياة في لحظات مفصلية.
3. الإنفوجرافيك الرقمي: وهو الأحدث والأكثر اختصاراً؛ إذ يقدّم المحطات المفصلية في حياة الشخصية بأسلوب بصري مكثف ومختصر، يناسب جمهور العصر الرقمي الحديث الذي يريد المعلومة سريعة ومؤثرة.
ثانياً: مصادر بناء السيرة البيوغرافية
يبقى السؤال الجوهري: من أين يستقي المعد الصحفي مادته؟ الإجابة تكمن في تنوّع المصادر ودقتها؛ فبناء شخصية بيوغرافية رصينة يتطلب جمع المعلومات من مصادرها الرئيسية المعتمدة؛ لضمان دقة الطرح، واستقاء الحقائق من أصولها، وأبرز هذه المصادر هي: الوثائق الرسمية الصادرة عن الشخصية نفسها، وشهادات العائلة والأصدقاء في حال كانت الشخصية متوفاة، والمذكرات الشخصية المدوّنة، والمقابلات المباشرة مع صاحب السيرة أو المقربين منه، والأرشيف الإعلامي الخاص بالشخصية، والدراسات الأكاديمية التي تناولتها، وروايات وشهادات الذين عاصروا الشخصية.
لكن جمع المصادر ليس سوى البداية؛ فالمهارة الحقيقية تكمن في المقارنة بينها، وترجيح الأصح، وربط الخيوط المتناثرة في نسيج واحد متماسك.
ثالثاً: الضوابط الأخلاقية والمهنية
هنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف نروي سيرة إنسان دون أن نظلمه أو نقدّسه؟ تفرض المعايير والأخلاقيات الإعلامية التزاماً صارماً بمبدأ الموضوعية والحياد؛ إذ ينبغي على المعد الصحفي أن يتوازن في الطرح، وأن يبتعد عن التلميع المفرط أو التقديس، وأن يتجنب الافتراء والتشويه، وأن يبتعد عن الانحياز الشخصي، وأن يحترم الخصوصية دون إخلال بالواقع.
والهدف من ذلك كله هو تقديم الشخصية بصفاتها الإنسانية الطبيعية وسياقها التاريخي الحقيقي؛ فالقارئ يبحث عن إنسان يُحتذى بنجاحه، لا عن إنسان مزيف.
رابعاً: التحديات التي تواجه المعد الصحفي
لا تخلو هذه الصناعة من تحديات شاقة، وفي مقدمتها: ندرة الوثائق الموثوقة، وتعارض الروايات الشفهية بين المعاصرين، والحذر الشديد عند التعاطي مع الجوانب الحياتية الخاصة.
إلا أن الصحفي المحترف يدرك تماماً أن هذه التحديات ليست عائقاً، بل هي الثمن الطبيعي الذي يجب تحمّله والتغلب عليه؛ للوصول إلى منتج إعلامي فاخر مكتمل الأركان؛ فكما أن صاحب السيرة واجه تحديات في حياته، فإن من يروي سيرته يواجه تحديات في نقلها.
خامساً: أمثلة لنماذج تطبيقية
ولتقريب الصورة لك أكثر عزيزي القارئ، يمكن استحضار ثلاثة نماذج: فيلم وثائقي عن شخصية سياسية تاريخية، يعتمد على الأرشيف والمقابلات؛ وبروفايل صحفي عن عالم أو أديب معاصر، يُنشر عند حصوله على جائزة كبرى؛ وإنفوجرافيك رقمي يلخص محطات حياة رياضي بارز في مسيرته، ثلاثة قوالب، ثلاث شخصيات، وهدف واحد: أن تبقى الحكاية.
وفي الختام، تبقى صناعة الشخصية البيوغرافية فنّاً إعلامياً دقيقاً يجمع بين التوثيق والتحليل والسرد؛ فهو يُخلّد سيرة الشخصية، ويقدّم للقارئ مادة إعلامية تترك أثراً معرفياً وثقافياً عميقاً، ولا يتحقق ذلك إلا بالالتزام بالدقة والحياد واحترام الخصوصية، مع الإدراك التام بأن التحديات جزء من هذه الصناعة، لا عائقاً أمامها.
ففي النهاية، حين نروي سيرة إنسان، فإننا لا نروي ماضياً فحسب، بل نصنع ذاكرة للمستقبل.
كما لا يفوتني أن أتوجه إليكم بجزيل الشكر على وقتكم الثمين الذي خَصَّصتُموه في قراءة هذا المقال، وأرجو أن تكون الفائدة قد عمت، وأن يكون هذا الطرح قد أضاء لكم جوانب هامة من العمل الإعلامي.
عبدالعزيز بن عبدالله القرناس
وحدة الإعلام بإدارة العلاقات العامة والهوية المؤسسية
أ.د. أحمد محمد السيد عابد
م. يزيد بن عبدالعزيز الحقباني
أ.خالد بن ملوح الشمري 