في ظل التصاعد المستمر لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، وتحولها إلى ركيزة أساسية ومساعد يومي لا غنى عنه ولا مفر منه، يبرز تساؤل جوهري حول أخلاقيات توظيف الذكاء الاصطناعي في سياق البحث العلمي. وقد عرفت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) هذه التقنية بأنها مجموعة من الأنظمة التي تمكّن الآلة من التعلم، والفهم، والتصرف، والاستشعار؛ وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليتين قانونيتين وأخلاقيتين: الأولى: هل يمكن اعتبار المخرجات القائمة على تعلّم وفهم الآلة نتاجاً فكرياً يمنحها حقوق المؤلف؟ الثانية: ما هي الاستخدامات الأخلاقية واللاأخلاقية للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي؟
من هنا تأتي هذه المقالة للإجابة على هذين السؤالين بإيجاز، بالاستناد إلى الأطر التنظيمية التي وضعتها الجهات المختصة في المملكة، وتحديداً وثيقة الهيئة السعودية للملكية الفكرية المتعلقة بمخرجات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى السياسة الوطنية للنزاهة العلمية الصادرة عن هيئة البحث والتطوير والابتكار.
وللإجابة على السؤال الأول، فإنه بالرجوع إلى وثيقة المبادئ التوجيهية للمصنفات المولدة عبر الذكاء الاصطناعي في مجال حقوق المؤلف الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية يمكن التمييز بين مسارين قانونيين لمخرجات الذكاء الاصطناعي. المسار الأول: غياب التدخل البشري في نتائج الذكاء الاصطناعي، وهنا بينت الهيئة السعودية للملكية الفكرية أن المخرجات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي دون مساهمة بشرية فعليه يفقد المحتوى شرط التأليف وذلك لانعدام الاصالة التي تتطلب تدخل بشري يتمتع بالشخصية القانونية. ويظهر لي أن هذا هو المنطق القانوني، حيث أنه لا يمكن اعتبار أداه الذكاء الاصطناعي "مؤلف" يتمتع بشخصية قانونية، لكونها آداه تعتمد على المدخلات البشرية؛ وبالتالي لا يمكن منحها صفة المؤلف. إضافة إلى أنه لا يمكن منح صفة المؤلف لمن اعتمد على هذه المخرجات دون أي تدخل منه سواء بالتعديل أو التطوير أو بأي شكل من أشكال المساهمة الجوهرية. بل وأبعد من ذلك، يعد ادعاء الباحث ملكية هذه النتائج أو المخرجات دون تدخل منه نوعاً من الانتحال الذي يتنافى مع مبادئ النزاهة العلمية.
في حين أن المسار الثاني وهو المسار الذي يتشارك فيه الباحث مع مخرجات الذكاء الاصطناعي وذلك عبر إضافة لمساته الإبداعية على نتائج الذكاء الاصطناعي سواء من خلال التعديل، أو الدمج، أو التنسيق، أو التحسين الجوهري. وفي هذه الحالة، ترى الهيئة السعودية للملكية الفكرية أن هذه المخرجات تستحق الحماية النظامية بموجب نظام حقوق المؤلف لوجود تدخل بشري. وهذا بلا شك هو عين الصواب، فالباحث يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي كمساعد يختصر عليه الجهد والوقت لتوفير مجموعة من النتائج، ثم يعمل على إجراء بعض التعديلات والتحسينات الإبداعية عليها، الأمر الذي يحولها من مجرد نتاج آلي إلى عمل إبداعي أصيل يستحق الحماية.
أما لإجابة على السؤال الثاني بشأن حدود الاستخدام المسموح به للذكاء الاصطناعي. وهنا تبنت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار بالتنسيق مع مجلس شؤون الجامعات والجهات ذات العلاقة سياسة موحدة لأخلاقيات البحث العلمي والنزاهة العلمية تشمل المبادئ الوطنية لأخلاقيات البحث العلمي. ووفقا لهذه السياسية (وتحديدا الفقرة "ن" من المادة الرابعة)، يعد الاستخدام غير الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في البحث تعدي على مبادئ النزاهة العلمية. وقد حددت المادة الثامنة من هذه السياسية الممارسات المسموح بها والمحظورة وفق ما يلي:
أولا: الاستخدام المسموح به والمشروط بالإفصاح ومنها التدقيق اللغوي، أعمال التحرير اللغوي بهدف تحسين الصياغة اللغوية، تلخيص الأفكار البحثية، ترجمة المحتوى، جمع مصادر البيانات والمعلومات. وهذا شريطة أن يلتزم بالباحث بالإفصاح عن استخدام هذه الأدوات في البحث.
وفي رأيي يمكن إضافةً على ما ذكر أعلاه، جمع وتنظيم البيانات والمراجع، تحليل البيانات الكبيرة كالبيانات الإحصائية، الجداول والرسوم البيانية. وهي إضافات تتماشى مع روح المادة.
ثانيا: الانتهاكات البحثية المحظورة والتي تعد إخلالا بالأمانة العلمية وهي: انتحال الباحث لمخرجات الذكاء الاصطناعي ونسبتها إليه، وضع اسمه على العمل البحثي المولد بالذكاء الاصطناعي المعد للنشر أو المقترحات البحثية دون الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وألا تتجاوز نسبة ما انتجه الذكاء الاصطناعي في البحث٢٠٪.
وفي الختام، أرجو أن تكون هذه المقالة إسهاماً في نشر ثقافة النزاهة العلمية في استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.
أ.د. ماجد بن نايف الشيباني
أستاذ القانون المدني
أ.خالد بن ملوح الشمري
د.نصرالدين عثمان باحكيم