عبر التاريخ ارتبطت الكتابة بالفكر، والتعبير، والإبداع، وبناء الحضارات. فالكتابة لم تكن يوماً مجرد حروف تُنسخ على الورق ليتم تقييمها فقط، بل كانت وسيلة لتوثيق التاريخ، وحفظ الإرث، ونقل الأفكار، وتسجيل الاكتشافات والإبداعات البشرية. وفي جوهرها، تبقى الكتابة فعلاً إنسانياً عميقاً. فنحن لا نكتب من أجل الكتابة ذاتها فحسب، بل لنفهم أنفسنا ونعبر عن ذواتنا، ولمحاولة فهم الآخر ومناقشته، فالكتابة تمنح أفكارنا وأحاسيسنا شكلاً يسمح بتوثيقها ومشاركتها مع العالم. فالكتابة لا تكشف فقط قدرة الإنسان على التعبير، بل تعكس أيضاً طريقة تفكيره وعمق رؤيته للأشياء. كونها مساحة تتشكل فيها الأفكار، وتُراجع، وتُرتب قبل أن تتحول إلى كلمات، ولذلك ارتبطت الكتابة دائماً بتنمية الفكر والذاكرة والتأمل.
ورغم هذه المكانة الفكرية والإنسانية للكتابة إلا أنها أيضاً ارتبطت، في بعض السياقات، بالعقوبة والانضباط. ويشير (2019) Schaffner إلى أن استخدام الكتابة كعقوبة يعكس إيماناً ضمنياً بأن الكتابة قادرة على التأثير في السلوك وإعادة تشكيل الفرد نفسياً وفكرياً، وربما من أكثر الصور حضوراً في أذهان كثير من الناس تلك المشاهد المدرسية التي تكررت في الأفلام والمسلسلات؛ الطالب الذي يُجبر على كتابة الجملة نفسها عشرات المرات كنوع من التأديب. ولعل من أكثر الأمثلة المعاصرة وضوحاً مشهد العقاب الشهير في Harry Potter and the Order of the Phoenix، حين أُجبر “هاري بوتر” على كتابة جملة متكررة بوصفها عقوبة مدرسية، لم يكن المشهد مؤلماً بسبب الجملة نفسها، بل لأن الكتابة تحولت فيه من وسيلة للتعبير إلى أداة للسيطرة والإذعان.
والمثير للتأمل أن هذا التصور يظهر اليوم بطرق مختلفة في علاقتنا الحديثة بالكتابة، خاصة في البيئات التعليمية، حيث لم تعد الكتابة تُرى دائماً كأداة للتفكير والتعبير، بقدر ما ترتبط في ذهن بعض الطلاب بالضغط، وصعوبة المهام، والتقييمات الأكاديمية الإلزامية. فتُصنف كـ “تحدي صعب” أو “مهمة معقدة”، ويزداد هذا التحدي عند إضافة اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية، مما قد يجعل الكتابة لدى بعض الطلاب عبارة عن محاولة مستمرة لتجنب الخطأ اللغوي أكثر من كونها مساحة للتفكير والتعبير، فينصرف التركيز إلى سلامة النص أكثر من عمق الفكرة نفسها. وبهذا أصبحت علاقة كثير من الطلاب بالكتابة مرتبطة ومقيدة بالتقييمات الأكاديمية، وبعيدة إلى حد كبير عن ممارستها بوصفها أداة للتفكير خارج هذا الإطار التعليمي. ففي البيئة الرقمية المعاصرة التي تقوم على السرعة والتفاعل الفوري، أصبحت كثير من الممارسات المعرفية كالكتابة تميل إلى الاختصار والسطحية أكثر من التأمل والتعمق في بناء الفكرة ونقدها.
وهذا يدعونا للتوقف والتفكر في التحولات التي طرأت على علاقتنا بالكتابة؛ فالعديد من الدراسات تشير إلى أثر الكتابة اليدوية في تطوير المهارات العقلية والمعرفية مقارنة بالاعتماد الكامل على الكتابة بالأجهزة الحديثة، ومن الدراسات التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، دراسة أجراها van der Meer وvan der Weel في عام 2024، والتي تؤكد أهمية ممارسة الكتابة اليدوية لارتباطها بعمليات عصبية تتعلق بالتعلم وتشفير الذاكرة، مما يجعل الكتابة باليد عملية معرفية أعمق من مجرد إدخال النص عبر لوحة المفاتيح. ومع ذلك، تدعو الدراسة إلى الموازنة بين التقنية والكتابة اليدوية التقليدية وفق طبيعة المهمة التعليمية. إلا أن التحدي اليوم مع التطور التقني المتسارع يبدو أكبر، خاصة مع التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على أتمتة بعض المستويات الأساسية للكتابة. ومن خلال ملاحظة ممارسات بعض الطلاب، يبدو أن استخدام هذه الأدوات قد حوّل الكتابة أحياناً من ممارسة للتفكير أو حتى الاستذكار إلى مجرد عملية سريعة لإنتاج النصوص بأقل قدر من الأخطاء اللغوية للحصول على أعلى درجة ممكنة، وبهذا أصبحت الكتابة في كثير من الأحيان تسبق عملية التفكير نفسها أو معزولة عنها؛ فلم تعد مرتبطة دائماً بالقراءة، أو بالمراجعة، أو بمحاولة صياغة الفكرة تدريجياً، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عملية توليد فوري للنصوص.
وعليه، تتضح ضرورة إعادة بناء علاقة الطلاب بالكتابة في عصر التقنية، حتى لا تختفي الأبعاد الذهنية والإنسانية للكتابة بداعي السرعة والاختصار والتطور التقني. وهذا يضع على المؤسسات التعليمية مسؤولية كبيرة خاصة أن الكتابة تعد من الممارسات الفكرية الأساسية للتعلم وبناء المعرفة. والدليل الإرشادي حول استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، الصادر عن UNESCO عام 2023، تضمن مجموعة من التوصيات المهمة، من أبرزها:
- حماية “الوكالة البشرية” داخل العملية التعليمية، بحيث يبقى الإنسان محور التعلم والتفكير واتخاذ القرار.
- تطوير كفاءات الذكاء الاصطناعي لدى الطلاب، بحيث لا يقتصر الأمر على استخدام الأدوات، بل فهمها والتعامل معها بوعي ونقدية.
- إعادة تطوير أدوات التقييم وأساليب التعلم بما يركز على التفكير والتحليل وبناء الفكرة، لا مجرد إنتاج النصوص، مع إعادة النظر في لماذا وكيف نتعلم.
- الدعوة إلى بناء قاعدة أدلة وبحوث تراكمية لفهم أثر الذكاء الاصطناعي على التعليم والتعلم، ودراسة آثاره طويلة الأجل على المعرفة والتفكير والتقييم من خلال نهج مشترك ومتعدد التخصصات.
وهو ما تعمل عليه الجهات المعنية بالتعليم والتقنية، مثل هيئة تقويم التعليم والتدريب والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي من خلال تطوير الأطر التنظيمية والإرشادات المتعلقة بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي، وما تؤكد عليه اللقاءات المعرفية والمؤتمرات المتخصصة. إلا أن التحدي الحقيقي ما يزال يتمثل في تحويل هذه السياسات والتوصيات إلى ممارسات تعليمية فعلية تنعكس على طريقة تعلم الطلاب، وعلاقتهم بالكتابة، والتفكير، وبناء المعرفة.
د. ساره سرور حج الله المطيري
قسم اللغة الإنجليزية-حوطة بني تميم
أ.سعود بن راشد العبدان
أ.د. أحمد محمد عابد
صالح القرني 