يعد عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود استمراراً طبيعياً للنهج الذي سارت عليه الدولة السعودية منذ نشأتها في تشجيع العلم، ومؤازرة طلابه وعقد مجالسه، وإنشاء مدارسه، والاحتفاظ بمصادره، ولقد جاء عهده في بداية اتساع حركة التأليف والنشر عن طريق الطباعة التي كانت سائدة في الهند ومصر والشام، إلى أن جعل مطابع خاصة في مكة وغيرها تتولى طباعة الكتب وتوزيعها على طلبة العلم مما كان له أبلغ الأثر في إثراء الحركة العلمية ومن ذلك: ما يتعلق بعلوم القرآن على سبيل المثال.
وقد كانت هناك بعض المطابع أنشئت قبل العهد السعودي في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وكان لها دور في نشر الكتب وخصوصاً-علوم القرآن- واستمر نفعها حتى دخول الحجاز للحكم السعودي، ويأتي في مقدمة تلك المطابع: المطبعة الأميرية التي أُنشئت سنة 1300هـــ التي سُميت فيما بعد بمطبعة (أم القرى)، وكان هذا التاريخ إيذاناً بدخول أول المطابع للجزيرة العربية، وقد نشطِت في طباعة عددٍ من كتب التراث، وكان مما طبعته كتاب: التبيان في أقسام القرآن لابن القيم عام 1319هـــ، وبعد ذلك بسنوات قليلة أُنشئت مطبعة الترقي الماجدية سنة 1327هــ، وقد طبعت خلال خمس سنوات بعد إنشائها ما يربو على تسعين كتاباً توزعت بين علومٍ كثيرة كان من أوائلها كتب التجويد، ومع حداثة تجربة المطابع وقلة الإمكانات إلا أنَّه كان لعلوم القرآن حظ وافر مما يدل على الاهتمام بها في ذلك الزمن تصنيفاً ونشراً.
وقد بدأ الاهتمام بكتب علوم القرآن وطبعها بشكل مبكر في العهد السعودي، فعندما أمر الملك عبدالعزيز بنشر بعض الكتب التي طبعت بمطبعة المنار بمصر كان تفسير القرآن وكتاب فضائل القرآن لابن كثير من أوائل ما طبع، ثم تفسير البغوي، وتفسير الطبري وكان هذا في عام 1347هـ، وقد كان كثيراً ما يلح على القائمين عليها بسرعة طباعتها ليعم نفعها لطلبة العلم، ثم شهدت السنوات الأولى بعد تأسيس المملكة العربية السعودية سنة 1351هـــ ازدهار حركة المطابع بشكل أكثر من ذي قبل، فحرص العلماء على طباعة مؤلفاتهم ونشرها بين طلبة العلم، وكان نشرها احتساباً من المحسنين أو توزيعاً من المطابع الحكومية، ومن أولى المؤلفات طباعةً: كتاب تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه لمحمد طاهر الكردي، وقد طُبع سنة 1365هـــ بمطبعة الفتح الوطنية بجدة على نفقة أحد المحسنين، ثم تم طباعة كتاب: الجواب الواضح المستقيم في تحقيق كيفية إنزال القرآن الكريم لمفتي الديار السعودية محمد بن إبراهيم بمطبعة الحكومة بمكة المكرمة سنة 1369هـــ، وبعده طُبع كتاب: دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي بمطابع الرياض سنة 1375هــــ، إلى غير ذلك من كتب علوم القرآن التي تشهد بعناية ولاة الأمر والعلماء بنشر كتب علوم القرآن –خصوصاً- إذا علمنا أنَّها كانت في مقتبل تأسيس هذه الدولة المباركة.
ومن حيث التعليم فقد كان اهتمام الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى واضحاً حاضراً، فقد كان يقدر العلماء، ولا يخلو مجلسه في كثير من الأحيان منهم، بل كان منهم من يصحبه في تحركاته العسكرية، فضلاً عن إرسال المرشدين الدينيين إلى الهجر والبوادي، ولما دخل مكة وجد البذرة التي بذرها من سبقه في مجال التعليم المنظم في الحجاز، وكانت أرضية مناسبة تقوي عزيمته لاتخاذ القرار الصائب لبدء حركة تعليمية منظمة في البلاد، فأصدر أمره بتأسيس مديرية للمعارف في مكة في العام المذكور تتولى نشر العلوم والمعارف وافتتاح المدارس والمعاهد الحكومية في كافة المدن الحجازية، وعين عليها الأستاذ: صالح شطا كأول مدير للمعارف بالحجاز، ثم لم تقتصر عناية الملك عبدالعزيز بالمدارس الحكومية فقط، بل حتى لغيرها من المدارس الأهلية، ففي نفس العام الذي دخل فيه مكة زار مدرسة الفلاح والمدرسة الفخرية وتبرع للمدرستين بمائة وخمسين جنيهاً وبعض الأطعمة، فكانت التفاتة مشجعة لافتتاح مدارس أهلية أخرى في مدن أخرى في المملكة.
وقد تولت مديرية المعارف مهام التعليم في الحجاز وإنشاء المدارس حتى صدر قرار سنة 1356هـــ بتوسيع دائرة إشرافها على كافة مناطق المملكة، وغير مسماها إلى مديرية المعارف العامة، وجُعِل في كل منطقة من مناطق المملكة مندوبية أو معتمدية ترتبط إدارياً بالمديرية العامة تنوب عنها في إدارة وتوجيه المدارس، فافتتحت عشرات المدارس في باقي المناطق، وأقبل عليها الطلاب، مما ضاعف المسؤولية على مديرية المعارف، ولذا رأى الملك سعود رحمه الله فور توليه الحكم في المملكة تشعب أعمالها وزيادة أعبائها فعزم على قيام وزارة تتولى خدمة العملية التعليمية، فأصدر أمره بإنشاء وزارة المعارف سنة 1373هـــ وعين عليها الأمير فهد بن عبدالعزيز رحمه الله(خادم الحرمين الشريفين) فعمل بعزيمة قوية ومن معه من العلماء ورجال التعليم لإكمال المسيرة التعليمية على نطاق أوسع وساعده في ذلك الميزانيات الكبيرة التي كانت تصرف على التعليم؛ إذ كان بداية عصر الرخاء على البلاد بفضل الله ثم بعد العثور على الثروات الطبيعية في المملكة، واستمر الدعم للنهوض بالتعليم من الملوك بعده، وما زال هذا الدعم السخي على التعليم مستمراً بفضل الله حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله تعالى، وكان من أهم مظاهر هذا الدعم في زمننا المعاصر تنوع صور التعليم الحكومي، وتعدُّد الجهات الحكومية التي تقدمه، والحوافز التي تصرف على الدارسين في غالب قطاعات التعليم، لأجل ترغيبهم في العلم والتعليم والإبداع وصنع المنجزات .
د. فهد بن عبدالله العثمان
قسم الدراسات الإسلامية
أ.د. زينب ماجد المطيري
أ.د. أحمد محمد السيد عابد