أنت هنا

سلسلة مقالات ممثلية الجمعية الفقهية السعودية (3) من فقه المستشير

سلسلة مقالات ممثلية الجمعية الفقهية السعودية (3) من فقه المستشير

إن المرء ليتطلع للسداد في جميع خطواته ليحسن سيره في دنياه وأخراه.

    فالطالب المجتهد، وربة البيت الأريبة، والقائد الحازم، والراعي الرؤوف، كل منهم ينشد الصواب، وينتقي خيرة الأسباب. ومما يعين على ذلك الاستشارة للغير في الأصلح والأرجح.

    كما أن النفس البشرية تنساق لما تهواه؛ لذا احتاج اللبيب إلى الاستشارة ليتجرد له رأيه من هواه.

وقد يُحكم الأيام من كان جاهلا     ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب

    ولو كان لأحد غنىً عن الاستشارة لما أُمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو من ينزل عليه الوحي.

    والاستشارة هي: استطلاع الرأي من ذوي الخبرة للتوصل إلى أقرب الأمور مصلحة. فبالاستشارة يحصل إعمال الفكر لأكثر من شخص وينتج عن هذا غالبًا جودة الرأي وصوابه.

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الرأي الفرد كالخيط السّحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض»

    وقال بعض الحكماء: الرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل.

    ولابد للمستشير من فقه يقوده إلى استشارة رشيدة، ومن ذلك:

    ألا يستشير في أمر قد قطع فيه بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا اجتهاد مع النص.

    وأن يبحث في مشورته عن المتخصص وعن أكمل من توفر فيه العلم والدين والتقوى والأمانة والخبرة ليوفق لحسن المشورة، فإن الاستشارة نوع من الاستفتاء (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

ولا تستشر في الأمر غير مجرب          لأمثاله أو حازم متبصــــــــــر

فاستشارة قليل الخبرة كاستشارة الجاهل تزيد في اللبس وتضيع الحزم.

    وأن يعين مستشاره بإطلاعه على جميع جوانب ما يستشيره فيه؛ فإن اختلاف الأحوال يستدعي اختلاف الجواب، ومما يدل لهذا ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال ففيهما فجاهد.

    وأن يقبل المشورة وإن خالفت هواه ما لم تظهر له مفسدة.

     قال بعض الخلفاء لولده موصيًا ومعلمًا (استشيروا ذوي التجربة والحيلة فإنهم أعلم بمصادر الأمور وتقلبات الدهور، وتحملوهم وما يغلظون من قول، أو يكشفونه من عيب لما ترجونه من حالة تصلح ، وفتق يرتق، فإن من جرعكم المرارة لشفائكم أشفق ممن أطعمكم الحلاوة لإسقامكم)

    وأن يعرض عن لوم المستشار عند ظهور خطئه، فإن الصواب ربما يخفى وجهه والسداد ربما يغيب سببه، فلوم المستشار مع صحة قصده إيذاء له،  وقطع للنصيحة منه ومن غيره.

    وأن يأخذ الأمر بالروية وإطالة التأمل، ريثما تحصل الثقة بالرأي، وعند أهل البلاغة: (في الروية تبيان، وفي تبيان الرأي نصح الاعتزام)

    وأن يعزم على ما تمحضت عنه المشورة مع التوكل على الله، قال تعالى:(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) فالعزيمة تأتي بعد الاستشارة.

    وأن يقدم الاستخارة عند الهمّ بفعل ما تمحضت عنه المشورة، فإن الجمع بين الاستخارة والاستشارة من كمال امتثال السنة، ومما سارت به الركبان واستقر في الأذهان (ما خاب من استخار وما ندم من استشار)

 

 

قيم هذا المحتوى
QR Code for https://np.psau.edu.sa/ar/article/2016/11/1479913028
إعلان 7

10.98.226.65