الاثنين 21 أكتوبر 2019

العربية وميزان الاعتدال

العربية وميزان الاعتدال

   إن قانونَ الاعتدالِ الذي بُنيت عليه العربية ينجلي في أن كلماتها وضعت على ثلاثة أحرف, و قليل منها أصله رباعي أو خماسي لكيلا يطول النطق ويعسر, فلم يكثروا من الألفاظ الثنائية خشية تتابع عدة كلمات في العبارة الواحدة فيضعف متن الكلام ويحدث فيه ما يشبه التقطّع لتوالي الألفاظ المكونة من حرفين, وقد خرجتْ بعض اللغات الأخرى عن الاعتدال - كما يقول الباقلاني- ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان يونان؛ وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك؛ ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في العربية، وقد قال الخفاجي عن أبي داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية -إنه إذا نَقَلَ الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبُحت وخسّت، وإذا نُقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوةً وحسناً.

  يقول ابن فارس: باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها: ... فإن قال قائل: فقد يقع البيانُ بغير اللسان العربي، لأن كلَّ مَن أفْهَم بكلامه عَلَى شرط لغته فقد بَيَّن. قيل لَهُ: إِن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير العربية قَدْ يُعرِبُ عن نفسه حَتَّى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قَدْ يدلُّ بإشارات وحركات لَهُ عَلَى أكثر مراده ثُمَّ لا يسمّى متكلماً، فضلا عن أن يُسمَّى بَيّناً أَوْ بليغاً. وإن أردت أنَّ سائر اللغات تبيّن إبانة العربية فهذا غَلط، لأنا لو احتجنا أن نعبّر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذَلِكَ إلاَّ باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرةً، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسمّاة بالأسماء المترادفة. فأين هَذَا من ذاك، وأين لسائر اللغات من السَّعة مَا للغة العرب? هَذَا مَا لا خفاء بِهِ عَلَى ذي نُهيَة.

  ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه في بحثنا ميزان الاعتدال لدى أهل التحقيق الحقيقي لعويصِ مسائل النحو المستظهرين الآراء في الأوابد أصحابِ الثقافةِ المُتَمَاسِكَةِ المتكَاملةِ ثابتةِ الأصول، التي تنمُو وتَتَّسِعُ على كلِّ معرفةٍ مُتاحةٍ أو مُسْتَخْرَجَة، حتى اكْتمَلَتْ اكتمالا مُذهلا في كلِّ فنٍ وعِلْمٍ له صلةٌ بعلومِ الدينِ واللغة يطالعنا الأنبابي في إحدى فرائده في مسألة كنتُ سميتها (بين هند وزيد مسمى به مؤنث) حيث يرى الصَّبَّانُ أن ما ذهب إليه عيسى بن عمر ومن تبعه - من جواز الوجهين في نحو زيد مسمى به مؤنث – أقوى من مذهب سيبويه والجمهور القائل بتحتم منعه من الصرف؛ لأنه كيف يتحتم عندهم منع زيد إذا سمى به مؤنث ولا يتحتم عندهم منع نحو هند مع عروض تأنيث زيد، وأصالة تأنيث هند، ومع استوائهما في عدد الحروف وفى الهيئة؟ وهلّا جاز الوجهان في زيد كما جازا في هند، أو تحتم منع هند من الصرف عندهم كما تحتم منع زيد؟!.

  واعترض الأنبابي ما ذكره الصبان من تقويته مذهب عيسى بن عمر ومن تبعه، وأبطل بحث الصبان بأن ثمة فرقا بين زيد وهند على الرغم من استوائهما في عدد الحروف وفى الهيئة، وهو أن زيدا ثقيل بسبب نقله من المذكر إلى المؤنث، وهذا الثقل عادل خفة لفظه وصيرها كالعدم فرجع إلى تحتم المنع، أما هند فخفتها بالسكون لم يعارضها ثقل أصلا؛ إذ الباقي على أصله لا ثقل فيه، وعليه فقد فات الصبان ثقل النقل.

وكنت قد رجحت اعتراض الأنبابي لغفلة الصبان عن ثقل النقل، وإن كان ثقل النقل معنويا، ومراعاة اللفظ فيما لا ينصرف هو الباب كما نص عليه ابن يعيش. كما أرى نظرا في قول الصبان: "وهلا جاز الوجهان في زيد كهند، أو تحتم منع هند كزيد"؛ لأنه لو سلمنا له جدلا الجزء الأول من عبارته فكيف نسلم له تحتم منع هند كزيد مسمى به، وقد ورد الشعر بصرفه؟ فلو سلمنا له هذا لكان مخالفا لما جاء عن العرب.

  فانظر كيف سعى الأنبابي - رحمه الله- حثيثا وبَعَجَ المسألة واللفظة في مناقشة شيخه متلمسا اعتدال اللفظ حتى في أدق خصائصه المعنوية؟ وليس هذا بمستغرب من مثله؛ فلقد كان منصبا على المطالعة، مُكِبّا على التنقيب والمراجعة، كَلِفاَ بتقييد الشوارد، مولَعاً بتعليق فرائد الفوائد، حريصا على اقتناء نفائس العلوم، واقتناصِ غرائبها، ومسامرةِ أبكارها وكواعبها، بقريحة لا تعرف الكَلَل، وعزيمةٍ لا يعتريها فتور ولا ملل، ولم يزل ذلك له دأبا ودَيْدَناً، حتى برع و فاق، وذاع صيته على جميع الأقران، حتى قيل فيه:

      إِمَـــــامٌ نَمَتْهُ دَوْحَةُ الْعِلْمِ يَافِعَـا      فَظَــلَّ بِهَا فَرْدَاً تَمَيِّز عَنْ نِـــــــــــــــــــــــــــــدِّ

       هُمَــامٌ لَهُ في كُلِّ فَنٍ دِرَايَــــــــــــــــــــــةٌ     تَجِلُّ عَنِ التَّعْرِيف بَالرَّسْمِ وَالـْحَدِّ

قيم هذا المحتوى
QR Code for https://np.psau.edu.sa/ar/article/2019/02/1549351420

تحويل التاريخ

التحويل من
التاريخ